ابن حجة الحموي

240

خزانة الأدب وغاية الأرب

ريحها بأمره رخاء حيث أصاب وقال الزمخشري وهو حجة في هذا العلم ولا نرى بابا في البيان أدق ولا ألطف من هذا الباب ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله وكلام نبيه وكلام صحابته رضي الله عنهم أجمعين فمن ذلك قوله تعالى الرحمن على العرش استوى لأن الاستواء على معنيين أحدهما الاستقرار في المكان وهو المعنى القريب المورى به الذي هو غير مقصود لأن الحق تعالى وتقدس منزه عن ذلك والثاني الاستيلاء والملك وهو المعنى البعيد المقصود الذي وري عنه بالقريب المذكور ومنه قول النبي حين سئل في مجيئه عند خروجه إلى بدر فقيل لهم ممن أنتم فلم يرد أن يعلم السائل فقال من ماء أراد أنا مخلوقون من ماء فوري عنه بقبيلة يقال لها ماء ومنه ما روي عن النبي أنه قال لا يزال المنام طائرا حتى يقص فإذا قص وقع ففي الكلام توريتان لفظة طائر ولفظة يقص ويحتمل أيضا أن يكون في لفظة وقع تورية ثالثة ومنه قول أبي بكر رضي الله عنه في الهجرة وقد سئل عن النبي من هذا فقال هاد يهديني أراد أبو بكر رضي الله عنه هاديا يهديني إلى الإسلام فوري عنه بهادي الطريق وهو الدليل في السفر وكانت خواطر المتقدمين عن نظم التورية بمعزل وأفكارهم مع صحتها ما خيمت عليها بمنزل لكنها ربما وقعت لهم عفوا من غير قصد لأنهم على كل حال ولاة هذا الشان وأدلة هذا الركب وقيل إن أول من كشف غطاءها وجلا ظلمة إشكالها أبو الطيب المتنبي بقوله برغم شبيب فارق السيف كفه * وكانا على العلات مصطحبان كأن رقاب الناس قالت لسيفه * رفيقك قيسي وأنت يماني يريد أن كف شبيب وسيفه متنافران فلا يجتمعان لأن شبيبا كان قيسيا والسيف يقال له يماني فوري به عن الرجل المنسوب إلى يمن ومعلوم ما بين قيس ويمن من التنافر قلت وكأن من قال إن أبا الطيب أول من كشف غطاء التورية ما لمح قول عمرو بن كلثوم في معلقته عن الخمرة مشعشعة كان الحص فيها * إذا ما الماء خالطها سخينا الشاهد هنا في سخينا فإن العرب كانوا يسخنون الماء في الشتاء لشدة برده ثم يمزجونها به فسخينا على هذا التقدير نعت لموصوف محذوف والمعنى فأضحى شرابا سخينا وهذا هو المعنى القريب الموري به ويحتمل السخاء الذي هو عبارة عن الكرم وهذا هو المعنى البعيد الموري عنه ومراد الناظم ومما يؤيد قولي أنه المراد قول الجوهري في الصحاح قول من قال سخينا من السخونة نصب على الحال ليس بشيء فإن المراد لما خالطها الماء ومزجت به طبنا وسخينا بأموالنا كقول عنترة وإذا سكرت فإنني مستهلك * مالي وعرضي وافر لم يكلم والحص هو الزعفران على أحد الأقوال وهو الذي شبه صفرتها به فإن قيل سخا مضارعه يسخو ويسخو من ذوات الواو فلا يجوز أن يكون سخينا فعلا على هذا التقدير فالإجماع عند أهل اللغة أنه يقال سخا يسخا وسخا يسخو وهذا مذهب الجوهري في الصحاح وعلى هذا التقدير فاشتراك التورية في سخينا صحيح ممكن من الوجهين انتهى وكشف أيضا عن قناع التورية في شعره النابغة الذيباني بقوله خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما أراد بالصيام ههنا القيام وورى بقوله تعلك اللجما عن الصيام وأورد السكاكي في المفتاح للعرب من هذا الباب حملناهم طرا على الدهم بعدما * خلعنا عليهم بالطعان ملابسا أراد بالحمل على الدهم تقييدهم وأوهم بالركوب على دهم الخيل قلت وقبل المتنبي أيضا بزمن طويل قال أبو نواس فتنت قلبي محببة * وجهها بالحسن منتقب